الرياضةسلايدر

2.4 مليار يورو قيمة اللاعبين.. إفريقيا تُنتج المواهب وأوروبا تجني الأرباح

أموال ضعيفة تجنيها إفريقيا جراء نشاط لاعبيها في الخارج

كتب: أيمن رجب

ليست المواهب الإفريقية هي المشكلة، بل سلسلة القيمة، فالقارة تُنمّي لاعبين بموارد محدودة للغاية، لكن القيمة تُخلق وتُستغل في أماكن أخرى، عندما يرحل لاعب، غالبًا ما يكون ذلك مقابل أقل من 200 ألف يورو، وأحيانًا مجانًا، لا يحصل النادي الذي درّبه على شيء تقريبًا عند رحيله، ويعتمد كليًا على نسب افتراضية من إعادة بيعه مستقبلًا، بعد سنوات، وحتى حينها، يجب أن يكون قد ضمن تلك الحقوق.

النتيجة: 97% من قيمة اللاعبين الأفارقة في تشكيلة كأس العالم، والبالغة 2.4 مليار يورو، موجودة خارج إفريقيا، ندربهم، لكننا لا نبني رأس مال، المفارقة لا تتعلق بالرياضة، بل بالهيكلية.

هل تُعتبر الهجرة إلى أوروبا هجرة عقول؟

هذه ليست رحلة طيران عادية، بل هجرة غير مجدية، في عالم الأعمال المعولم، يُعدّ الانتقال إلى أوروبا أمراً طبيعياً، بل ومرغوباً فيه. المشكلة ليست في هجرتهم بحد ذاتها، بل في الثمن الذي يدفعونه.

بيع لاعب تبلغ قيمته 30 مليون يورو مقابل 150 ألف يورو يمثل ثروة جُمعت في إفريقيا وجُلبت إلى أماكن أخرى. لذا، فالهدف ليس الاحتفاظ بكل شيء، بل بيعه لاحقًا بسعر أفضل، وضمان قيمته من خلال بنود إعادة الشراء، وآليات التضامن، وقضاء فترة أطول في بلده الأم قبل مغادرته.

سبب عدم نجاح بعض الأكاديميات الإفريقية أكثر من غيرها في خلق القيمة

لا تقتصر الأكاديميات الناجحة على تدريب اللاعبين فحسب، بل تُنمّي شخصيات متكاملة وتُرسّخ سلسلة قيمة. وتُعدّ أكاديميات “جينيراسيون فوت”، و”ديامبارس”، و”أكاديمية محمد السادس”، و”رايت تو دريم”، و”بارادو”، و”جي إم جي” من أبرز الأكاديميات المُصدّرة للمواهب إلى أوروبا. وتُساهم أكاديميتا “جينيراسيون فوت” و”ديامبارس” وحدهما بنحو 30% من قيمة المنتخب السنغالي.

يرتكز نجاحهم على ثلاثة أركان أساسية. أولاً، الإدارة والكوادر التي تقف وراء هذه الهياكل: رؤية واضحة، ودقة متناهية، واستمرارية طويلة الأمد. ثانياً، شراكات استراتيجية مع أندية أوروبية كبرى، مما يفتح سوقاً واضحاً ويضمن نموذج عمل ناجحاً. وأخيراً، وهذا بلا شك العامل الأكثر استهانةً، التعليم: مدرسة داخلية، ودعم أكاديمي، وإرشاد غذائي، وتنمية شخصية.

لا تقتصر هذه الهياكل على إنتاج لاعبي كرة قدم فحسب، بل تُنتج أفرادًا متكاملين. وهذا تحديدًا ما يُحدث الفرق في النهاية، سواءً على أرض الملعب أو في قدرة اللاعب على التكيف والاستمرار والارتقاء بقيمته.

الدرس بسيط: التدريب وحده لا يكفي. هناك حاجة إلى نظام بشري وتعليمي واقتصادي لتحويل المواهب إلى قيمة مستدامة.

ميزة تنافسية للمنتخبات الوطنية

أصبحت الجالية الأفريقية في الخارج أكبر مركز تدريب لكرة القدم الأفريقية، وهذا يُعدّ مكسبًا قيّمًا شريطة استغلاله بالشكل الأمثل. فقد تلقى 64 لاعبًا أفريقيًا شاركوا في كأس العالم، أي ما يقارب ربع اللاعبين، تدريبهم في فرنسا، وهو عدد يفوق أي دولة أفريقية أخرى.

لا يُعدّ هذا خسارةً للأنظمة المحلية، إذ إنّ أغلبهم من حاملي الجنسية المزدوجة الذين تلقوا تدريبهم في الأكاديميات الفرنسية، وتمّ تحديدهم ودعمهم ودمجهم من قِبل المنتخبات الوطنية الأفريقية. وقد حوّل المغرب هذا إلى رصيد استراتيجي حقيقي.

كما أنها فرصة ذهبية لأكاديميات الشباب الأوروبية. فاللاعب الذي لم يكن ليُختار أبدًا للمنتخب الفرنسي، يُمكنه أن يُصبح لاعبًا دوليًا أفريقيًا، ويشارك في كأس الأمم الأفريقية أو كأس العالم، ويشهد ارتفاعًا في قيمته السوقية. بل إن الفيفا تُقدم تعويضات للأندية التي تسمح للاعبيها بالمشاركة في كأس العالم.

لذا، فإنّ وجود المغتربين ليس لعبة محصلتها صفر. فهو يُضيف قيمة للاعب، وللمنتخب الوطني الأفريقي، وللنادي التدريبي. ويكمن التحدي الحقيقي في عدم الاعتماد عليه بشكل حصري، وفي الوقت نفسه تطوير برامج تدريب محلية.

لماذا يكون اللاعب الذي يلعب خارج أفريقيا أغلى بكثير في المتوسط ​​من اللاعب الذي بقي في القارة؟

لا يكمن هذا الفارق في الموهبة، بل في القيمة السوقية. فاللاعب نفسه، في دوري مرموق، يخضع لمراقبة دقيقة من الكشافين، ويحظى بسجلّات موثقة، يكون ذا قيمة فنية أعلى.

مع أن مستوى المهارة عاملٌ مهمٌ بلا شك، إلا أن القيمة السوقية تعتمد بشكل كبير على منظومة متكاملة تشمل: الظهور الإعلامي، والانتشار، والبيانات، والمسابقات المعيارية. إن جعل الدوريات الأفريقية أكثر وضوحاً وتوثيقاً سيزيد بشكل مباشر من قيمة اللاعبين الذين ما زالوا يتنافسون فيها.

القيمة لا تقتصر على المساحة فحسب، بل تتعلق أيضاً بواجهة المتجر.

آليات التضامن التابعة للفيفا

تتعايش المشكلتان: تطبيقها في أفريقيا غير كافٍ، والمقاييس نفسها تستحق إعادة التفكير.

يُعدّ التعويض التدريبي ومساهمة التضامن، اللذان يُمثلان 5% من كل رسوم انتقال دولية تُخصص للأندية المتدربة، أداتين جيدتين نظرياً. مع ذلك، لا تزال إمكانية التتبع غير كافية، وتبقى المبالغ ضئيلة عندما تكون رسوم الانتقال الأولية منخفضة.

يُعدّ نظام المقاصة التابع للفيفا خطوةً في الاتجاه الصحيح من خلال أتمتة هذه العمليات. ومع ذلك، هناك عدة جوانب تستحق المزيد من البحث: زيادة رسوم الانتقال، أو نسبة مئوية تُدفع طوال مسيرة اللاعب، أو تصنيف الأكاديميات، أو حتى مساهمة من النادي المُدرّب في عمليات الانتقال اللاحقة.

لكن لا يمكن تحقيق أي من ذلك دون بيانات موثوقة حول تطور اللاعبين منذ الصغر. ويكمن التحدي في الجانبين التنظيمي والتشغيلي: التوثيق، والتتبع، والمطالبة، وإعادة التقييم.

ما الذي يجب تغييره في عملية اكتشاف المواهب؟

يجب على كرة القدم الأفريقية التوقف عن اختيار الهيئات الأكثر نضجاً لاختيار أفضل اللاعبين.

يقل احتمال اختيار اللاعبين المولودين في نهاية العام في سن السابعة عشرة نظرًا لقلة نموهم البدني، لكنهم غالبًا ما يصبحون الأكثر قيمةً في مرحلة البلوغ. ولذلك، تتجاهل ممارسات الاستكشاف الحالية بعضًا من أفضل المواهب المستقبلية.

ما يجب تغييره هو إنشاء قاعدة بيانات للاعبين ابتداءً من سن 14 أو 15 عامًا، مع سجل موثق لأدائهم وتقدمهم. نحتاج إلى تقييم إمكاناتهم ومسارهم، وليس فقط مظهرهم الجسدي الحالي.

هل تستطيع عشر دول أفريقية مشاركة في كأس العالم 2026 أن تُحدث تحولاً في اقتصاد كرة القدم الأفريقية؟

يمثل عشرة لاعبين مؤهلين منصة عرض عالمية. لكن منصة العرض لا تصبح رصيداً قيماً إلا إذا تحولت إلى شيء ذي قيمة.

يدفع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) رسوم مشاركة لكل دولة مؤهلة، بالإضافة إلى جوائز مالية كبيرة. كما تحصل الأندية الأفريقية على تعويضات مقابل السماح للاعبيها بالمشاركة. أما بالنسبة للاعبين الذين ما زالوا يلعبون في أفريقيا، فسترتفع قيمتهم تلقائيًا بفضل الشهرة العالمية التي يحظون بها.

لكن كأس العالم يتجاوز كرة القدم بكثير. فهو أيضاً منصة اقتصادية ودبلوماسية، ومساحة تُعقد فيها الشراكات، ويصل إليها رعاة جدد، ويبرز فيها مستثمرون جدد.

لكن لا شيء يتغير تلقائياً. لتحويل هذه الثروة إلى ثروة، تحتاج الأندية إلى الاحتراف، وتعزيز الحوكمة، وتحسين تقييم قيمة الانتقالات، وجذب الرعاة إلى جيل الشباب الأفريقي الذي يُعد من بين الأكثر تواصلاً في العالم.

بدون ذلك، سنكون قد احتفلنا بإنجاز دون بناء اقتصاد.

قضية البيانات

في القرن الحادي والعشرين، لا يمكنك إدراك قيمة ما لا تقيسه. فالبيانات هي التي تحدد كل شيء آخر. فبدون سجلات موثقة للاعبين، لا توجد مطالبات بتعويضات التدريب، ولا تقييمات عادلة، ولا حماية للنزاهة، ولا مفاوضات متوازنة مع الأندية الأوروبية.

لقد اعتمدت أفريقيا لفترة طويلة جداً على قواعد بيانات مصممة في أماكن أخرى. يجب على القارة أن تبني قواعد بياناتها الخاصة، لا سيما وأن أدوات الذكاء الاصطناعي تجعل هذا الهدف متاحاً لأي اتحاد.. نقلا عن Le360.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى