240 مليار دولار في عام.. الهاتف المحمول يغير اقتصاد إفريقيا
خدمات الهاتف المحمول بالقارة

كتب: أيمن رجب
أكد تقرير “اقتصاد الهاتف المحمول في إفريقيا 2026” الصادر عن الرابطة العالمية لشبكات الهاتف المحمول (GSMA) أن قطاع الاتصالات المتنقلة يواصل ترسيخ مكانته كأحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتحول الرقمي في القارة، بعدما أسهمت تقنيات وخدمات الهاتف المحمول بنحو 240 مليار دولار أمريكي في اقتصاد إفريقيا خلال عام 2025، بما يعادل 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة.

وأشار التقرير إلى أن القطاع وفر نحو 13 مليون وظيفة، وساهم في تحقيق إيرادات عامة بلغت 45 مليار دولار أمريكي، ما يعكس الدور المتنامي للاتصال الرقمي في دعم النشاط الاقتصادي والابتكار والتنمية في مختلف الأسواق الأفريقية.
من توسيع التغطية إلى تعظيم القيمة الرقمية
بعد عقد كامل ركزت خلاله شركات الاتصالات على توسيع نطاق الاتصال والوصول إلى المستخدمين، تتجه الشركات اليوم نحو مرحلة جديدة تهدف إلى تعظيم القيمة الاقتصادية والاجتماعية للشبكات الرقمية، سواء للمستهلكين أو الشركات أو الحكومات.
وفي هذا السياق، لم تعد شركات الاتصالات تكتفي بدورها التقليدي كمزود لخدمات الاتصال، بل أصبحت شريكاً رئيسياً في جهود التحول الرقمي، من خلال توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتوسيع الخدمات الرقمية، وإتاحة قدرات الشبكات للمطورين عبر واجهات برمجة التطبيقات الموحدة.
ووفقاً لبحث أجرته GSMA Intelligence، ترى 79% من شركات الاتصالات في أفريقيا أن التحول إلى شريك رقمي متكامل يمثل هدفاً استراتيجياً رئيسياً خلال المرحلة المقبلة.

ويتوقع التقرير أن ترتفع مساهمة تقنيات وخدمات الهاتف المحمول في اقتصاد أفريقيا إلى 290 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، مدفوعة بتوسع تبني الخدمات الرقمية واستمرار مساهمة الاتصال في تعزيز الإنتاجية والابتكار والتنمية الاقتصادية في مختلف أنحاء القارة.
وفي ظل هذا التحول، لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في توسيع تغطية الشبكات، بل في ضمان استفادة الأفراد والشركات والحكومات بشكل كامل من البنية التحتية الرقمية المتاحة بالفعل.
الذكاء الاصطناعي يقود المرحلة الجديدة
وقال فيفيك بدرينات، المدير العام لـ GSMA، إن قطاع الاتصالات المتنقلة في أفريقيا يدخل مرحلة جديدة من التطور بعد أن نجح خلال العقد الماضي في ربط ملايين الأفراد والشركات.
وأضاف أن التركيز بات ينصب بشكل متزايد على إطلاق قيمة أكبر من خلال الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية وأشكال الابتكار الجديدة، مشيراً إلى أن اغتنام هذه الفرصة يتطلب استمرار الاستثمار، وتبني سياسات داعمة للابتكار، والتزاماً مشتركاً بضمان استفادة الجميع من الفرص التي تتيحها التقنيات الرقمية.
كما دعا بدرينات مختلف الأطراف في سلسلة التوريد التكنولوجية، بما في ذلك مصنعي المكونات التي تتيح إنتاج الأجهزة الرقمية، إلى المساهمة في تقليص فجوة الاستخدام وجعل التقنيات الرقمية أكثر سهولة في الوصول وأكثر قدرة على تحمل التكاليف.
وفي أنحاء القارة كافة، تتجه شركات الاتصالات إلى دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها لتحسين أداء الشبكات، وتعزيز تجربة العملاء، ودعم تطوير خدمات رقمية جديدة.

إلا أن التقرير يلفت الانتباه إلى تحدٍ مهم يتمثل في التنوع اللغوي الكبير في أفريقيا، التي تضم أكثر من 30% من لغات العالم، بينما تعتمد غالبية نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة حالياً على اللغة الإنجليزية واللغات الأخرى ذات الموارد الرقمية الغنية.
ولمعالجة هذه الفجوة، تعمل مبادرات مثل برنامج “نماذج لغات الذكاء الاصطناعي في أفريقيا، من أفريقيا، ولأجل أفريقيا” التابع لـ GSMA على تطوير البيانات والبنية الحاسوبية والمهارات والأطر السياسية اللازمة لبناء منظومة ذكاء اصطناعي أفريقية المنشأ والتوجه.
واجهات برمجة التطبيقات تفتح آفاقاً جديدة
وسلط التقرير الضوء على الزخم المتزايد لمبادرة GSMA Open Gateway، التي تتيح لمشغلي الشبكات توفير واجهات برمجة تطبيقات موحدة للمطورين والشركات.
وتسهم هذه الإمكانيات في تطوير خدمات رقمية جديدة وتعزيز قدرات التحقق من الهوية ومنع الاحتيال ودعم الثقة الرقمية في قطاعات متعددة تشمل الخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات الحكومية الرقمية.
ويرى التقرير أن السياسات العامة ستلعب دوراً حاسماً في تحديد قدرة أفريقيا على الاستفادة من الموجة المقبلة من النمو الرقمي، حيث ستؤثر عوامل مثل حوافز الاستثمار، وتوافر الطيف الترددي، والقدرة على تحمل التكاليف، والاستقرار التنظيمي على وتيرة الابتكار وتوسيع البنية التحتية الرقمية في القارة.
فجوة الاستخدام تتجاوز تحدي التغطية
ورغم التقدم الملحوظ في توسيع الشبكات، يحذر التقرير من أن أكبر تحدٍ رقمي تواجهه أفريقيا اليوم لم يعد يتمثل في تغطية الشبكات، بل في معدلات استخدامها الفعلية.
فبينما تغطي شبكات النطاق العريض المتنقلة غالبية سكان القارة، لا يزال نحو 63% من الأفارقة يعيشون ضمن نطاق التغطية لكنهم لا يستخدمون الإنترنت عبر الهاتف المحمول. وفي المقابل، لا تتجاوز نسبة السكان الذين ما زالوا خارج نطاق تغطية النطاق العريض المتنقل 9%.
ويشير التقرير إلى أن القدرة على تحمل التكاليف تمثل العقبة الأكبر أمام استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول في معظم الأسواق الأفريقية، إلى جانب محدودية المهارات الرقمية والعوائق الاجتماعية الأخرى.
ويبرز ذلك الحاجة إلى تعزيز المبادرات التي تستهدف خفض تكلفة الأجهزة الرقمية، وتوسيع برامج المهارات الرقمية، وتهيئة بيئة رقمية أكثر شمولاً لجميع فئات المجتمع.

76 مليار دولار استثمارات مرتقبة
ولدعم المرحلة المقبلة من النمو الرقمي، تدعو GSMA إلى تبني سياسات تشجع الاستثمار وتحسن القدرة على تحمل التكاليف وتسهم في تسريع اعتماد التقنيات الرقمية.
ويتوقع التقرير أن تستثمر شركات تشغيل شبكات الهاتف المحمول في أفريقيا أكثر من 76 مليار دولار أمريكي في البنية التحتية للشبكات خلال الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2030.
كما تشير الأدلة المستمدة من عدد من الأسواق الأفريقية إلى أن خفض الضرائب المفروضة على الأجهزة والخدمات الرقمية يمكن أن يسهم بشكل مباشر في تسريع تبني التكنولوجيا وتوسيع استفادة المواطنين والشركات من مزايا الاقتصاد الرقمي.
وفي ظل تسارع التحول الرقمي، يرى التقرير أن نجاح أفريقيا في المرحلة المقبلة لن يعتمد فقط على توسيع الشبكات، بل على قدرتها على تحويل الاتصال إلى قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية، تضمن مشاركة أوسع في الاقتصاد الرقمي وتعزز فرص النمو المستدام في مختلف أنحاء القارة.



